كتب جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمَسَدِ، وَهِيَ سُورَةُ "السُّقُوطِ الْمُدَوِّي لِلْعِدَاءِ" وَمَنْطِقِ "إِفْلَاسِ الْوَسَائِلِ الْبَاطِلَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ النَّصْرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ عُلُوِّ مَنَارَةِ الْحَقِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمَسَدِ تَعْرِضُ مَنْطِقَ "تَبَابِ الْقُوَّةِ الْمُعَادِيَةِ"، وَتُبَيِّنُ كَيْفَ يَنْهَارُ "الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ" حِينَمَا يَتَحَالَفَانِ عَلَى مَنْطِقِ "الْأَذَى" بَدَلًا مِنْ مَنْطِقِ "الْبِنَاءِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِحُكْمٍ بَاتٍّ عَلَى الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْخُسْرَانِ الشَّامِلِ"؛ فَالْيَدُ هِيَ أَدَاةُ "الْبَطْشِ" وَ"الْكَيْدِ"، وَ"التَّبَابُ" هُوَ الْهَلَاكُ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ تُعَادِي "النُّورَ" تَنْتَهِي مَنْطِقِيًّا إِلَى "الْعَقْمِ" وَالِانْقِطَاعِ.
فِي "تَحْلِيلِ عَدَمِ جَدْوَى الْمُدْخَلَاتِ الْمَادِّيَّةِ"، تَقُولُ السُّورَةُ: {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}. هَذَا مَنْطِقُ "انْهِيَارِ الضَّمَانَاتِ"؛ فَأَبُو لَهَبٍ كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَى "الْمَالِ" (الثَّرْوَةِ) وَ"الْكَسْبِ" (الْجَاهِ وَالْأَوْلَادِ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ هُنَاكَ لَحَظَاتٍ فَارِقَةً فِي الْقَدَرِ لَا تَنْفَعُ فِيهَا "الْأَرْقَامُ" وَلَا "الْوَجَاهَةُ" فِي دَفْعِ الِارْتِدَادِ الْقِيَمِيِّ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الشَّرَاكَةِ فِي السُّوءِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ دَوْرَ زَوْجَتِهِ: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "التَّلَازُمِ بَيْنَ الْجُرْمِ وَأَدَاتِهِ"؛ فَالَّتِي كَانَتْ تَحْمِلُ "أَشْوَاكَ" الْفِتْنَةِ وَتُوقِدُ نَارَ الْعَدَاوَةِ، سَيَكُونُ جَزَاؤُهَا مِنْ جِنْسِ عَمَلِهَا، بِحَبْلٍ مِنَ "اللِّيفِ الْخَشِنِ" (الْمَسَدِ) يُطَوِّقُ عُنُقَهَا الَّذِي كَانَ يَزْدَانُ بِالْقَلَائِدِ فَخْرًا. هَذَا مَنْطِقُ "تَحْوِيلِ الزِّينَةِ إِلَى قَيْدٍ".
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَرْسِيخِ حَقِيقَةِ "النِّهَايَةِ الْمُحْتَرِقَةِ": {سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ}. هُنَا نَقِفُ أَمَامَ مَنْطِقِ "الْمُجَانَسَةِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمَصِيرِ"؛ فَـ "أَبُو لَهَبٍ" الَّذِي تَوَهَّمَ الْعِزَّةَ بِاسْمِهِ وَبَشَرَتِهِ، مَصِيرُهُ مَنْطِقِيًّا "لَهَبٌ" يُحْرِقُ كُلَّ ادِّعَاءَاتِهِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمَسَدِ هِيَ سُورَةُ "سُقُوطِ الرُّمُوزِ الْبَاطِلَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ "الْعَدَاوَةَ لِلْحَقِّ" هِيَ اسْتِثْمَارٌ خَاسِرٌ مَهْمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَبِيرًا، وَأَنَّ "الشَّرَاكَةَ" فِي الْأَذَى تَقُودُ إِلَى شَرَاكَةٍ فِي الْعِقَابِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ "تَبَابَ" الْبَاطِلِ قَدَرٌ مَحْتُومٌ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|