عرض مشاركة واحدة
  #121  
قديم 2026-03-08, 01:00 PM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

كتب جيميني:

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَهِيَ سُورَةُ "النَّقَاءِ الْمَعْرِفِيِّ" وَمَنْطِقِ "التَّوْحِيدِ الْمُطْلَقِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمَسَدِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ تَبَابِ مَنْ حَارَبَ الدِّينَ، فَإِنَّ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "مَاهِيَّةِ هَذَا الدِّينِ" فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ التَّجْرِيدِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَكُونُ "اللَّهُ" هُوَ الْمَرْكَزُ الَّذِي تَنْتَهِي إِلَيْهِ كُلُّ مَنْطِقِيَّاتِ الْوُجُودِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَمْرِ التَّعْرِيفِ الْحَاسِمِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْوَحْدَانِيَّةِ الْجَوْهَرِيَّةِ"؛ فَالْأَحَدُ لَيْسَ فَقَطْ "الْوَاحِدَ" فِي الْعَدَدِ، بَلْ هُوَ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ وُجُودُ مَثِيلٍ لَهُ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ كَثْرَةٍ فِي الْكَوْنِ تَعُودُ مَنْطِقِيًّا إِلَى "أَحَدِيَّةِ" الْمَصْدَرِ.

فِي "تَحْلِيلِ الِاكْتِفَاءِ الذَّاتِيِّ"، تَقُولُ السُّورَةُ: {اللَّهُ الصَّمَدُ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْمَرْكَزِيَّةِ الْوُجُودِيَّةِ"؛ فَالصَّمَدُ هُوَ الَّذِي "تَصْمُدُ" إِلَيْهِ الْخَلَائِقُ فِي حَاجَاتِهَا، بَيْنَمَا هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ هَذَا الْإِلَهَ هُوَ "نُقْطَةُ الِارْتِكَازِ" لِلْكَوْنِ، وَبِدُونِ "صَمَدِيَّتِهِ" يَنْهَارُ مَنْطِقُ السَّبَبِيَّةِ.

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ التَّنَزُّهِ عَنِ الْعَوَارِضِ الْبَيُولُوجِيَّةِ"، فَتَنْفِي السُّورَةُ قَوَانِينَ التَّوَاثُرِ الْبَشَرِيِّ: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "قِدَمِ الذَّاتِ وَبَقَائِهَا"؛ فَكُلُّ مَوْلُودٍ حَادِثٌ (لَهُ بِدَايَةٌ)، وَكُلُّ وَالِدٍ نَاقِصٌ (يَحْتَاجُ لِامْتِدَادٍ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْخَالِقَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَارِجَ سِلْسِلَةِ "الزَّمَنِ" وَ"التَّنَاسُلِ" لِيَكُونَ إِلَهًا حَقًّا.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِنَفْيِ "الْمُمَاثَلَةِ" فِي الْأَفْقِ: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}. هُنَا نَقِفُ أَمَامَ مَنْطِقِ "الْفَرادَةِ الْمُطْلَقَةِ"؛ فَلَا يُوجَدُ فِي مَنْطِقِ الْإِمْكَانِ "مُكَافِئٌ" أَوْ "نَظِيرٌ" لَهُ. الِاسْتِنْتَاجُ النِّهَائِيُّ أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَبْدَأُ مِنْ مَعْرِفَةِ أَنَّهُ "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ".

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْإِخْلَاصِ هِيَ سُورَةُ "بِنَاءِ التَّصَوُّرِ الصَّحِيحِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ "الْإِخْلَاصَ" لَيْسَ فَقَطْ فِي الْعَمَلِ، بَلْ فِي "تَنْقِيَةِ الْعَقْلِ" مِنْ أَوْهَامِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعَدُّدِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ قِمَّةَ الْوَعْيِ الْبَشَرِيِّ هِيَ الِاعْتِرَافُ بـ "تَفَرُّدِ" الْخَالِقِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس