عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2026-04-09, 01:34 AM
ايوب نصر ايوب نصر غير متواجد حالياً
مسئول الإشراف
 
تاريخ التسجيل: 2012-10-23
المشاركات: 4,912
افتراضي الإسلام والكهنوت والدولة الدينية



دائما ما يكثر التشنيع على الحكم في الإسلام بأنه يقول على الكهنوت وأن الدولة الإسلامية هي دولة دبنية، ومن يدعون إلى تطبيق الشريعة في البلاد الإسلامية بأنهم رجعيون متخلفون في مواجهة الحداثيين الذين يرون في الدولة الحديثة السبيل إلى تطور البلاد وتقدم العباد، وكل هذا قياسا على ما حدث في أوروبا من تطور وما حصل عليه الأوروبيون من تقدم، بعد إعراضهم عن الدين وسلطة الكهنوت وإسقاطهم للدولة الدينية.

والسواد الأعظم ممن يأخذون في هذا الحديث، ويطنبون أسماعنا بهذا الضرب من الكلام، ليس لهم إلا ترديد عبارات يتقممونها من هنا وهناك، ويأتون على عرضها كل حين وكما اتفق، دون فهم او تأصيل أو إدراك، وعلة ذلك أنهم يلهتون وراء،السياقات الغربية عن غير بصيرة، وأنا في هذا المقال سأحاول توضيح ما يغفله هؤلاء وأضرابهم، ولا يكلفون أنفسهم مشقة البحث وإعناث الروية وإتعاب الفكر، في التقصي والتحليل.

وأما بعد، فإن في أوروبا لم تفصل الدولة عن الدين، بل إن كل دساتير بلدانها، وأعرقها حداثة، تنص على أن الحاكم يجب أن يكون على دين ومذهب الدولة، وهو أحد المذاهب النصرانية، وأوربا لم تفصل الدين عن السياسة، بل أضافت إلى مؤسسة الكنيسة مؤسسات أخرى (وأساس هذا كان موجودا في الإسلام مذ كان لكن هؤلاء لا يجهلون)، مع الإبقاء على دور وسلطات الكنيسة، بل من مظاهر الدولة الدنيا ما نجده إلى يوم الناس هذا مثل التضييق على المسلمين وسواء في صلواتهم او مساجدهم أو عباداتهم.

فأما الكهنوت، فإن الإسلام لم يجعل للناس وسائط بينهم وبين خالقهم يعدونهم بالمغفرة ويبيعونهم صكوك الغفران، وإنما هناك علماء يعلمون الناس أمور دينهم، ومن حق كل مسلم أن يجلس ويتعلم ويناقش ويجادل، وذلك كان منذ أول يوم ظهر فيه الإسلام وبدأت دعوة الناس إليه.

أما الدولة الدينية فلم يعرفها الإسلام، وليس فيه ما يدعو الناس إليها ويحرض على قيامها، ولهذا فرق المسلمون بين الفتح من جهة وبين الغزو والاستعمار من جهة أخرى، وذلك أن الدولة الإسلامية لم تكن يوما دولة دينية، فاللدولة الدينية هي الدولة التي تحمل رعيتها على دين معين فتدم وتنكل بأهل باقي الديانات وتفرش لهم محاكم التفتيش، وتكون السلطة الاولى بيد الكنيسة.

أما في الإسلام فلا تحمل الدولة رعيتها على دين معين ولا تقيم لهم محاكم التفتيش ولا تنكل بهم ولا تسلبهم شيئا من أموالهم إلا بحقه كما تفعل مع المسلمين، وإنما تحفظ لباقي معتنقي الديانات الأخرى حقوقهم الدينية والدنيوية، فعلى سبيل المثال إذا قام مسلم بتخريب خمر لكتابي فعليه تعويضه له، بل في عز قوة الدولة في الإسلام كان هناك حانات لغير المسلمين، والأمثلة كثيرة، والأحكام في الدولة الإسلامية لا تكون فقط من النصوص الشرعية وإنما هي أحد مصادر تشريع القوانين وسن الأحكام، والسلطة في الإسلام بيد اهل الحل والعقد وهم كبار موظفي الدولة وكبار الضباط وكبار العلماء (ومن هنا جاء نموذج الدولة الوطنية في أوروبا).

فهذا نموذج مبسط للحكم الإسلامي كما هو، لا كما يتصوره من يحب أو يتصور ويتوهمه من يحب أن يتوهم، دون قسط من علم أو حظ من نظر، وإنما يكتفون بالقياس على أوروبا ودينها، وهم أيضا واهمون في هذا كما بينت آنفا وبينت في مقالات نشرت في صحف ومجلات حول الدول الوطنية في العالم العربي.
__________________
( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) الكهف 6

كل العلوم سوى القرآن مشغلة ..... إلا الحديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا ..... وما سوى ذاك وسواس الشياطين
رد مع اقتباس