عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2026-06-17, 03:40 AM
ايوب نصر ايوب نصر غير متواجد حالياً
مسئول الإشراف
 
تاريخ التسجيل: 2012-10-23
المشاركات: 4,927
افتراضي هل يخشى العرب والمسلمون النقد التاريخي؟؟





مقدمة
إن الذي وجد لأجله المستشرقون مذ أول ظهور لهم إلى يوم الناس هذا هو التجسس والاستخبار أولا، وذلك أن المؤسسة الاستشراقية تعتبر اللبنة الأولى لما يعرف اليوم بجهاز المخابرات، ثم العمل على سرقة علوم العرب والمسلمين ثانيا، وكان لهذا دور كبير ملأ هوة ألف عام من الظلمات التي عاشها الغرب، ثم حماية العقل الغربي الذي بدأ يتأثر بالعرب ودينهم وثقافتهم وأسلوب تفكيرهم ونمط عيشهم ثالثا، خاصة بعد الحروب الصليبية، ومن هذا الباب، أي حماية العقل الغربي، جاءت كتب الإستشراق التي توجه النقد للفكر العربي والمعتقد الإسلامي، وهي في الأصل أوهن من بيت العنكبوت، ولا يحتاج المسلم جهدا أو يكون عالما بمنطوق العلوم ومفهومها ليرد به نلك الإدعاءات، والقائمة على تصورات خاطئة يمكن أن تمر على العقل الغربي لجهله الكلي بالإسلام لكن لا يمكن أن يقبلها العقل العربي المسلم إلا أن يكون في جهله بالإسلام مقاربا للعقل الغربي أو يكون ذا منفعة يرغب في تحصيلها أو غاية مادية أو معنويو يصبو إلى حيازتها، وذلك أن السواد الأعظم مما خطه المستشرقون لا يزيد في مجمله على أن يكون خبرا مطروحا أو كلمة شاردة أو ظاهرة محصورة، فيعمدون إلى تعميمها والبناء عليها.

هذه هي القضية

دائما ما يطرح المستشرقون، أو من حمل على عاتقه مهمة الترويج لما جادوا به من شبهات حول العرب وتاريخهم ودينهم، سؤالا هو: لماذا يخشى العرب والمسلمون النقد التاريخي؟ ونحن المسلمون لا ندعي أن لدينا أجوبة لكل الأسئلة، وإنما لدينا أجوبة منطقية لأسئلة منطقية، وهذا السؤال هو غير منطقي لأن قائله لم يثبت أن المسلمين يخشون النقد التاريخي، ولا يستطيع ذلك، وإنما هو نتاج تصور سطحي وخاطيء قائل بأن المسلمين يخشون النقد التاريخي ( ولنا عودة لبيان أصل هذا التصور).

إن إلقاء السؤال: لماذا يخشى العرب والمسلمون النقد التاريخي؟ هكذا كما إتفق على عواهنه، دون برهان يثبت خشية العرب والمسلمين، ومن غير دليل يستدل به على أصالة هذا الطبع فيهم، هو قفز إلى الأمام، وتجاهل لمنطق الأشياء، وإنما السؤال الصحيح هو: هل يخشى المسلمون والعرب النقد التاريخي؟ والجواب لا، وهنا يمكن الإحالة على كيف كتب المسلمون التاريخ ومناهجهم في ذلك ومنها كتب التراجم والتي يعمد مؤلفوها ومصنفوها إلى ذكر كل ما إتصل بهم من أخبار حول المترجم له، ويذكرون عنه كل ما قيل فيه من منبث شعره إلى أخمص قدمه دون خوف أو خشية أو تورية.
وكتب الحوليات وهي الكتب المصنفة حسب توالي السنوات ويورد فيها مصنفوها كل ما حدث في تلك السنة من أحداث سواء رضوها أو أنكروها، تاريكين للآنسال اللاحقة والأجيال الآتية حق النقد والنقاش والقبول والرد.
وكتب الجرح والتعديل (والتي تمثل إحدى أنواع علم الحديث، وهي كتب لمعرفة الرجال وتتبع أحوالهم ومعرفة أخبارهم وما يعين على قبولهم وردهم) وعلم العلل (وهو الشق الثاني من علم الحديث والذي يجهله المستشرقون ومن أخذ عنهم وتأثر بهم، ولهذا يكتفون بذكر الشق الأول فقط بما يدل على قصور في التصور وجهل بمناهج النقد عن المسلمين وطرائقهم في ذلك ) وهذا المنهج هو الأصل الأصيل الذي لا يمكن لأي مدرسة تاريخية الاستغناء عنه، ومثال ذلك أن من يعتمد على الوثيقة، فبعد إثبات أن الوثيقة كتبت حقا في عصر معين، فهنا يبدأ البخث حول كاتبها باعتبار شخصه، ثم بعد ذلك باعتبار قبول خبره أو رده، ثم باعتبار أهواءه وميولاته، ثم باعتبار سلامتها من التصحيف والإدراج وغيرها من العلل التي قد تضعف الوثيقة وترد ما فيها، ثم باعتبار ما يدعمها أو يفندها من باقي الوثائق، ثم باعتبار عدد نسخ الوثيقة، إلى غير ذلك من منهج الجرح والتعديل وعلم العلل، وما قيل في الوثيقة يقال في غيرها من المدارس مثل مدرسة الآثار ( ولأجل هذا أثير هذا الموضوع، فنحن المسلمون على بينة من أمرنا وأمر أعدائنا ونعرف أين يريدون أن يصلوا).

فالقفز على كل هذا والتساءل عن سبب خشية العرب والمسلمين من النقد التاريخي، هو أمر معيب لا يليق بمن يشدو شيئا من المعرفة فضلا عن طالب باحث فضلا عن دكتور ومفكر، وإن كان القفز على السؤال: هل يخشى...؟ وطرح السؤال: لماذا يخشى ......؟ يفيد شيئا فهو سيفيد نظرية التطور وذلك بإثبات الصفة المشتركة بين القرد والإنسان وهي القفز والنط.

وهذا المنهج لم يقتصر عليه العرب في نقل تاريخهم بل حتى في نقل علومهم الشرعية، وسأضرب مثلا بكتاب يحبه المستشرقون ولا يكاد أحدهم يكتب سطرا دون اللجوء إليه، ثم يريد إلزامك بقيمة الكتاب ومكانة صاحبه، وهو كتاب "الإتقان في علوم القران" للإمام السيوطي، رحمه الله ورضي عنه، ولو أن أحدهم حمل نفسه البحث قليلا أو الجلوس إلى طالب علم مبتديء، لعلم أن الكتاب إنما سمي بالإتقان لأن صاحبه أتقن فيه وأحكم كل ما علمه من علوم القران، وهو ليس كتابا للصحيح أو للتأصيل وإنما للإتقان والإحكام، فهو يقابل في منهجه كتب التراجم والحوليات، فلم يكتبه للتصحيح والتأصيل والتقعيد ولم يكتبه للبرهان والاستدلال وإنما كتبه ليكون جمعا لما اتصل به منا يتعلق بعلوم القرآن، ولهذا لقب السيوطي بحاطب الليل، لان في كل علم له كتاب مشابه.

هذا تاريخها


وهذا التصور الخاطيء التي تولد في عقول المستشرقين ومن سار في دربهم من أبناء جلدتنا، لم يأت من فراغ وإنما له أصل في الأمس القريب من عمر هذه الأمة، ثم استجدت ما استجد من تراكم على الأصل الأول.

فأما الأصل الأول، فقضيته تبدأ في فترة من فترات البعثات الطلابية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث وقع بعض الطلاب في أمرين، فأما أحدهما هو الانبهار بالمناهج الغربية وما نتج عنها من كتابات لبعضهم، والثاني هو أن ذلك الإنبهار ( وفي غالبه كان نتيجة جعلهم بتاريخهم ومناهج سلفهم في بناء الفكر وصناعة العلم) الذي وقعوا فيه حملهم على أمر خطير وهو ترجمة تلكم الكتابات و السطو عليها ونسبتها لأنفسهم، ظنا منهم أنهم حين ينشرونها في بلدانهم سينظر إليهم ياعتبارهم قادة الرأي وزناد قداح الفكر، وأن ما أعجزهم ردهم فأبهرهم لا يوجد في بلدانهم من يقدر على رده، هذا ما كان، غير أن ما ظنوه كان خاطئا، حيث اصطدموا بمجموعة من رجال العلم والفكر ممن كانت لهم من قوة العارضة وحدة العبارة وجودة الأدب وعمق الفكر، ما يجعل ما حمله طلاب البعثات، مما اعتنقوه أو سطوا عليه، لا يصبر أمامهم، فقوة العارضة وصلابة الحجة وحدة العبارة، والذي لم يتوقوه، هي التي خلقت ذلك الإضطراب في نفوس طلاب البعثات ومن كان خلفهم من مستشرقين فتولد عنه تصور ان المسلمين يخافون ويخشون النقد.


وأقوى مثال وأظهره هو ما كان من معركة حول كتاب الشعر الجاهلي لطه حسين والهجوم عليه ( أو نقده على الأدق والأصح) والذي لم يكن فقط نقدا لمحتوى الكتاب بل كان نقدا لمنهج الكتاب أولا والسطو الذي في الكتاب ثانيا، وفي هذا يمكن مراجعة ما كتبه من نقدوا الكتاب ومنهم شكيب أرسلان والرافعي ومحمود شاكر، لتقف على حدة الصدمة التي دفعت بالكثيرين إلى تصور خاطيء يقول أن المسلمين يخشون النقد التاريخي.

أما ما استجد فهو مسألة الآثار، ودعوة البعض إلى إجراء حفريات في الحرمين الشريفين ومحبطهما، وعدم رغبة المسلمين في ذلك، فهذا الرفض يحمل المستشرقين على القول أنه خوف من المسلمين، والأمر على غير ذلك، وذلك لأسباب:
أولا: أن وجود الحرمين نفسه دليل أثري على وجود الإسلام.
ثانيا: لو افترضنا جدلا غياب دليل أثري (مثل النقود أو المعمار....) يستدل به على رسول الله صلى الله عليه، فهذا ليس بالدليل القوي، لأن مدة حكمه كانت قصيرة ولم تدم إلا عشرين عاما وهذا لا يكفي في الظروف التي كان فيها لصك النقود وتشييد العمران.

ثالثا: ما يوجد في باقي الحضارات من بنيان وعمران، إنما كان بعد توالي السنوات وتراخي الحقب وليس من أول يوم، ولهذا بدأ في الحضارة الإسلامية بعد استقرار الدولة صك النقود والإهتمام بالعمران وتشييد المدن.





__________________
( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) الكهف 6

كل العلوم سوى القرآن مشغلة ..... إلا الحديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا ..... وما سوى ذاك وسواس الشياطين
رد مع اقتباس