عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2021-10-20, 02:26 PM
ايوب نصر ايوب نصر غير متواجد حالياً
مسئول الإشراف
 
تاريخ التسجيل: 2012-10-23
المشاركات: 4,684
ايوب نصر تم تعطيل التقييم
افتراضي الندوات الأدبية

لي صديق محب للقراءة وللأدب، كما أنه كاتب، أفاء الله عليه بيراع فيه من البيان ما فيه، وبفكر عامل لا يستكين، ولكنه يجمع إلى هذا وذلك، شيئا من زهو الطبع وإعتداد النفس، حتى إنه دائما ما يقول لي : " إن الدكر لا يكون من الفتيان ولا يصير من كمل الرجال حتى يخالطه شيء من زهو الطبع وإعتداد النفس"، ولا يلبث أن يردد قول رائد مدرسة البعث والإحياء:
فأحمد أخلاق الفتى ما تكافأت**بمنزلة بين التواضع والكبر
و هو فوق كل الذي وصفت لك كان على زيغ وضلال، ولكن عملت فيه الأيام عملها، فتاب عن ضلاله القديم وأبدله هدى، ورجع عن زيغه التليد وأبدله رشدا، وهذا الذي أعلم، أو الذي كنت أعلم، من آخر حاله، وذلك حتى وجهت إلي دعوة لأحضر ندوة أدبية، نصبت للحديث عن كتاب جديد لأحد الكتاب، فالتقيت صاحبي وأخبرته بأمر الندوة، وما كان من أمر دعوتي لحضورها، ورغبتي في مرافقته إياي، فرفض وأصر على رفضه إصرارا، وحين استفسرت عن سبب رفضه، والعلة من امتناعه، أدهشني جوابه، حيث وجدته عاد إلى ما كان عليه أمره قبل توبته، مما حدثك به.
قال لي: هناك ثلاثة أشياء لا أحبها، فأما ثالثها فهو حضور الندوات الأدبية، ثم قال، بعد أن استفسرته عن الأسباب التي تقف دون حضوره الندوات الأدبية: إنك تذهب إليها وأنت تشك أن الكاتب لم يقل في كتابه شيئا، ثم تخرج منها وأنت على يقين تام، لا يخالطه شك ولا تشوبه شبهة، أنه لم يقل شيئا.
ثم قال: إنك لتجد أحدهم، من المتدخلين في الندوة، يتكلم عن الكتاب و يصف حال الكاتب، فيقول كلاما لا يستقيم، فضلا على أن يبين، من نوع قولهم: "أن الكاتب وهو يكتب نصه هذا كان في حالة استمبلوجية "، والمهم أي لفظ يذيل بعبارة "لوجية" ثم يستلب منه الكلام شخص آخر ويقول : " وإضافة إلى هذا فإنه في تلك اللحظة كان ينطاد في الفضاء الخارجي، ويحلق في عوالم ما وراء الطبيعة"
ثم قال: ثم تلتفت إلى الحضور، فتراهم جالسين، وكأن على رؤوسهم الطير، يستمعون في هيبة ووقار وكأنك بهم في مجلس التحديث، ويدونون على أساس أنهم مدركون لما يقال
و قال: في مرة دعاني صديق مثلك إلى ندوة أدبية، فكرهت أن أرفض دعوته، وحضرت على مضض مني، وحين بلغت بنا مراسيمها إلى مرحلة إلقاء الأسئلة و المداخلات من طرف الحضور، وأذن لي بالكلام، قلت لهم: لم أفهم شيئا، فاضطربت القاعة بمن فيها، وقال لي أحدهم: " ليس من الضروري أن تفهم كل شيء"، فقلت له: إن عقلي قاصر وإدراكي محدود، وأنت صادق في قولك أنه ليس من الضرورة أن أفهم كل شيء، ولكن من الضرورة أن أفهم على الأقل شيئا، فاذا تفضل أحد الحضور علينا وتكرم وشرح لنا شيئا، نكون له من الشاكرين، فلم أكد أتي على آخر جملتي، حتى رجعت القاعة إلى سكونها، وهدأ اضطرابها.
قلت له: أنت فقط تبالغ، وتزيد في المبالغة حتى تجعل من الأمر الصغير شيئا عظيما.
فقال لي: ليس هذا من الرأي آحاد، ولا من نوع القول والحكم الذي أنفرد به، وإنما له شاهد يعززه، وإليك قول صاحبنا في أمثال هؤلاء أو أشباههم، حيث يقول في وصف طريقتهم: " فاذا نافرت المعاني ألفاظها واختلفت الألفاظ عى معانيها قال: إن هذا في الفن...هوالاستواء والاطراد والملاءمة وقوة الحبك، وإذا عوض وخانه اللفظ والمعنى جميعا وأساء ليتكلف وتساقط ليتحذلق وجاءك بشعره وتفسير شعره و الطريقة لفهم شعرهقال: إنه أعلى من إدراك معاصريه، وإن عجرفة معانيه هذه آتية من أن شعره من وراء اللغة، من وراءالحالة النفسية، من وراء العصر، من وراء الغيب"
قلت له: وإن كان صاحبنا من خاصتنا، وإن كان أيضا من أهل الرأي والفكر والنظر، إلا أننا لا نقبل كل ما يأتي منه دون حظ من النظر أو قسط من النقد.
قال لي: لا اختلف معك في كلامك، ولكنك مهما امتنعت و كابرت، إلا أنك تدرك صدق كلامه وكلامي من ذات نفسك.
فلم أجد بعد كلامه هذا إلا أن أعرض عنه، وأدعه لضلاله القديم، و قد إعتراني الندم على طلب مرافقته إياي

كتب: أيوب نصر، الثلاثاء 12 ربيع الأول 1443 (19/10/2021)
رد مع اقتباس